لا قرار من دون ذاكرة مؤسسية
جودة القرار تتوقف على ذاكرة المؤسسة التي تتخذه أكثر مما تتوقف على شخص متخذه. والمؤسسات التي تفقد ذاكرتها تكرر أخطاءها القديمة بتبريرات جديدة.
يمنح النقاش السياسي الأفراد مساحة أوسع مما يمنحها للمؤسسات. غير أن ما يحدد سلامة القرار عادةً ليس الكفاءة الشخصية لمن اتخذه، بل الذاكرة التي اتُّخذ بها.
الذاكرة ليست الأرشيف
يُخلط بين الذاكرة المؤسسية والأرشيف. الأرشيف مكان حفظ الوثائق، أما الذاكرة فهي تراكم البشر والإجراءات الذين يعرفون لماذا تهمّ وثيقة بعينها.
وثلاث علامات تدل على أن الذاكرة حية داخل المؤسسة:
- عند وصول مقترح جديد، يسأل أحدهم لماذا أخفقت نسخته السابقة.
- يبقى تعليل القرار متاحًا بعد رحيل متخذه.
- يُدوَّن رأي الوحدة المعترضة، فيترك أثرًا حتى لو لم تتغير النتيجة.
ومن دون هذه العلامات الثلاث تبدأ المؤسسة من الصفر في كل مرة.
الكلفة غير المرئية للدوران الوظيفي
تبدّل الموظفين أمر طبيعي وضروري. لكن حين تتجاوز وتيرته منحنى التعلّم، تبقى المؤسسة حديثة العهد بعملها على الدوام. وعندها:
- تُفضَّل المهام القصيرة الظاهرة، ويؤجَّل الإعداد بعيد المدى.
- يحلّ القرار السهل الدفاع عنه محل القرار الصحيح المحفوف بالمخاطرة.
- تحلّ الاستشارات الخارجية محل معرفة المؤسسة بنفسها.
وفي النهاية تشتري المؤسسة معرفتها بماضيها من الخارج.
المؤسسة التي تفقد ذاكرتها لا تكفّ عن الخطأ، بل تكرر الخطأ نفسه بتبرير جديد في كل مرة.
الجدارة ليست مسألة أخلاقية فحسب
يُحشر نقاش الجدارة عادةً في إطار أخلاقي، مع أن المسألة تقنية أولًا: حيث تعمل الجدارة تتراكم المعرفة، وحيث تتعطل يتبدد التراكم. والبعد الأخلاقي مهم، لكن أول ما يُفقد بغيابه ليس الإحساس بالعدالة، بل القدرة على الاستشراف.
خلاصة
لا تُنتج المؤسسات قرارات جيدة لأن فيها أشخاصًا جيدين، بل بقدر ما تستطيع تجميع معارف هؤلاء ونقلها. الذاكرة المؤسسية ليست ترفًا إداريًا، بل شرط مسبق لجودة القرار.
مقالات ذات صلة
- الاقتصاد
المسألة الحقيقية في مكافحة التضخم هي المصداقية
مصير برامج خفض التضخم لا تحدده مستويات الفائدة بقدر ما يحدده مدى القدرة على التنبؤ بالقرارات التي تقف خلفها. المصداقية أرخص أدوات السياسة النقدية، وأغلاها حين تُفقد.
- العلاقات الدولية
إعادة بناء التوازن الإقليمي: ثلاثة محاور وغموض واحد
لا يُعاد تشكيل النظام الإقليمي بانكسار واحد، بل بانزياح بطيء لثلاثة محاور متداخلة. وهذا ما سيرسم أجندة السياسة الخارجية في العقد المقبل.