المسألة الحقيقية في مكافحة التضخم هي المصداقية
مصير برامج خفض التضخم لا تحدده مستويات الفائدة بقدر ما يحدده مدى القدرة على التنبؤ بالقرارات التي تقف خلفها. المصداقية أرخص أدوات السياسة النقدية، وأغلاها حين تُفقد.
تُختزل النقاشات حول التضخم عادةً في سؤال واحد: هل ترتفع الفائدة أم لا؟ غير أن استقرار الأسعار لا يتحقق برقم بمفرده، بل بما يقف خلف الرقم من اتساق. الأسواق لا تُسعّر قرارًا، بل تُسعّر اقتناعها باستمراره.
وباختصار: السياسة النقدية تلامس التوقعات قبل أن تلامس الاقتصاد.
لماذا تحسم التوقعات الأمر؟
قرارات التسعير تتجه إلى المستقبل. فالمنشأة تحدد سعرها لا وفق كلفة اليوم، بل وفق الكلفة التي تتوقعها خلال الأشهر الستة المقبلة. وتفاوض الأجور وعقود الإيجار واتفاقات التوريد طويلة الأجل تسير على المنطق نفسه.
لذلك يستطيع التضخم أن يتحول إلى حكاية تُغذّي نفسها:
- إذا كان التضخم المتوقع مرتفعًا، عُدّلت الأسعار سلفًا.
- الأسعار المعدّلة سلفًا ترفع التضخم الفعلي.
- التضخم الفعلي يؤكد التوقع من جديد.
وكسر هذه الحلقة يعني إقناع الفاعلين الاقتصاديين بأن هذه المرة مختلفة. والاقتناع يُصنع بثبات السلوك لا بالتصريحات وحدها.
أثمن ما يملكه البنك المركزي ليس ميزانيته، بل القناعة الواسعة بأنه سيفي بكلمته. تتراكم هذه القناعة عبر سنوات، وتتبدد بقرار مفاجئ واحد.
الإطار المؤسسي: الجزء غير التقني
عند مقارنة برامج خفض التضخم الناجحة، يتبيّن أن قاسمها المشترك نادرًا ما يكون براعة النموذج، بل وضوح الإطار المؤسسي. وتبرز ثلاثة عناصر:
- وحدة الهدف. استهداف سعر الصرف والنمو والتشغيل والتضخم في آن واحد يترك السؤال معلّقًا عن أيّها سيُضحّى به، وهذا الغموض يُقيَّد مباشرةً في علاوة المخاطرة.
- إمكان التنبؤ بالتوقيت. ينبغي أن يكون الرزنامة والتعليل معلومَين مسبقًا. المفاجأة قد تبدو فعالة على المدى القصير، لكنها تُضعف مرساة التوقعات.
- الانسجام بين المؤسسات. توسّع السياسة المالية مع تشدّد السياسة النقدية يعني محرّكين يعملان في اتجاهين متعاكسين.
ولا شيء من ذلك مسألة قياس اقتصادي؛ بل كلها تتعلق بكيفية ترجمة الخيارات السياسية إلى ممارسة مؤسسية.
الكلفة الآن والعائد لاحقًا
يظهر ثمن التشدّد في الأرباع الأولى: يتباطأ النمو، ويضعف التشغيل، وتضيق قناة الائتمان. أما العائد فيأتي متأخرًا. وهذا التباين هو موضع الهشاشة الأكبر في البرامج، لأن الرزنامة السياسية نادرًا ما تملك الصبر الذي يتطلبه هذا التأخر.
ماذا ينبغي أن يُفعل؟
بدل الوصفات المختصرة، من الأجدى تحديد معايير التقييم. وثلاثة أسئلة تكفي لمتابعة أي برنامج:
- هل يُعلن صانعو القرار الأخبار السيئة بالجدول نفسه الذي يعلنون به الأخبار الجيدة؟
- حين يُخفق الهدف، هل تُسدّ الفجوة بتغيير التعريف؟
- هل تتناقض مكوّنات السياسة فيما بينها؟
الإجابات عن هذه الأسئلة تحمل معلومات أكثر من أي مؤشر استباقي.
خلاصة
يبدو التضخم مشكلة أسعار، لكنه في حقيقته مشكلة تنسيق: ملايين الفاعلين ينبغي أن يصدّقوا الحكاية نفسها عن المستقبل. ومن يكتب هذه الحكاية ليس قرار الفائدة، بل السجل الذي تراكمه القرارات عبر السنين.
المصداقية أرخص أدوات السياسة النقدية، وأغلاها حين تُفقد.
مقالات ذات صلة
- العلاقات الدولية
إعادة بناء التوازن الإقليمي: ثلاثة محاور وغموض واحد
لا يُعاد تشكيل النظام الإقليمي بانكسار واحد، بل بانزياح بطيء لثلاثة محاور متداخلة. وهذا ما سيرسم أجندة السياسة الخارجية في العقد المقبل.
- السياسة
لا قرار من دون ذاكرة مؤسسية
جودة القرار تتوقف على ذاكرة المؤسسة التي تتخذه أكثر مما تتوقف على شخص متخذه. والمؤسسات التي تفقد ذاكرتها تكرر أخطاءها القديمة بتبريرات جديدة.