إعادة بناء التوازن الإقليمي: ثلاثة محاور وغموض واحد
لا يُعاد تشكيل النظام الإقليمي بانكسار واحد، بل بانزياح بطيء لثلاثة محاور متداخلة. وهذا ما سيرسم أجندة السياسة الخارجية في العقد المقبل.
في العلاقات الدولية، نادرًا ما يتغيّر «النظام» بحدث واحد. عادةً تتزحزح ثلاثة محاور تبدو غير مترابطة في الوقت نفسه، وحين تتراكب هذه الانزياحات نلتفت إلى الوراء فنسمّيها منعطفًا.
واليوم تتحرك المحاور الثلاثة معًا.
المحور الأول: البنية الأمنية
تعيش التحالفات بتعريف التهديد الذي وُلدت معه. وحين يتغير هذا التعريف لا يتفكك التحالف، لكن التراتبية داخله تتغير. ونقاشات تقاسم الأعباء هي بالضبط إعادة تفاوض على هذه التراتبية.
والتمييز الجدير بالانتباه: امتلاك القدرة شيء، وامتلاك الوزن في صناعة القرار شيء آخر؛ والثاني لا ينتج تلقائيًا عن الأول.
المحور الثاني: التجارة والتوريد
طُرح الاعتماد الاقتصادي المتبادل طويلًا بوصفه ضمانة للسلام. وفي الآونة الأخيرة صار يُقرأ بوصفه وسيلة ضغط. تقصير سلاسل التوريد، وتنويع المدخلات الحرجة، وتقييد نقل التكنولوجيا؛ كلها نتائج القراءة الجديدة نفسها.
هذه ليست نهاية العولمة، بل إعادة ترتيبها بعدسة أمنية.
صارت التجارة ترسم خريطة الهشاشة بقدر ما ترسم خريطة الرخاء. ويمكن قراءة سياسة بلد خارجيًا من قائمة مشترياته.
المحور الثالث: المشروعية
المحور الثالث، والأقل تناولًا، معياري. لم يعد الخلاف على الالتزام بقرارات المؤسسات وحده، بل على لماذا تُعدّ تلك القرارات مشروعة أصلًا. وانتقال تهمة ازدواجية المعايير من أداة خطابية إلى عامل يحدّد الاصطفاف.
ويعمل هذا المحور مضاعِفًا لأثر المحورين الأولين.
ماذا يعني ذلك للقوى المتوسطة؟
المراحل التي لا تستقر فيها الأقطاب تنتج للقوى المتوسطة فرصة ومخاطرة معًا:
- الفرصة هي الجلوس إلى أكثر من طاولة.
- المخاطرة هي أن تُصنَّف أقل ثقة على كل طاولة.
والسبيل الوحيد المستدام للبقاء متوازنًا ليس إبقاء الخيارات غامضة، بل الإعلان المسبق والصريح عن المبدأ الذي يحكم كل ملف. فالقدرة على التنبؤ هي أكبر رافعة تملكها الأطراف الأصغر.
المرحلة المقبلة
حين تتحرك المحاور الثلاثة معًا، تُستهان عادةً بالكلفة البعيدة للخطوات القريبة. لذا يكفي معيار واحد لمتابعة الأشهر المقبلة: هل تبقى التعهدات قائمة بعد تغيّر الظروف؟
السمعة في الدبلوماسية، تمامًا كما في السياسة النقدية، تتراكم ببطء وتُنفق بسرعة.
مقالات ذات صلة
- الاقتصاد
المسألة الحقيقية في مكافحة التضخم هي المصداقية
مصير برامج خفض التضخم لا تحدده مستويات الفائدة بقدر ما يحدده مدى القدرة على التنبؤ بالقرارات التي تقف خلفها. المصداقية أرخص أدوات السياسة النقدية، وأغلاها حين تُفقد.
- السياسة
لا قرار من دون ذاكرة مؤسسية
جودة القرار تتوقف على ذاكرة المؤسسة التي تتخذه أكثر مما تتوقف على شخص متخذه. والمؤسسات التي تفقد ذاكرتها تكرر أخطاءها القديمة بتبريرات جديدة.