ما أثارته رحلتي إلى بودابست وفيينا من تأملات: المدينة والإنسان والحضارة
ما رأيته في بودابست وفيينا لم يكن مجرد مدينتين أوروبيتين؛ بل كان درساً في كيفية بناء العلاقة بين المدينة والإنسان. فالحضارة لا تُقاس بارتفاع ناطحات السحاب، بل بعمق القيم التي يمكن الحفاظ عليها.
ثمة رحلات لا يجول فيها الإنسان في المدن فحسب، بل في عالمه الذهني أيضاً.
وكانت رحلتي إلى بودابست وفيينا رحلة من هذا النوع بالنسبة لي.
فحين كنت أسير على ضفاف نهر الدانوب، وأتجول بين المباني التاريخية، وأراقب الناس الجالسين في الحدائق، وأتابع الترامواي وهو ينساب بهدوء، لم أكن أرى مدينتين أوروبيتين فحسب، بل كنت أشهد أيضاً كيف يمكن أن تُبنى العلاقة بين المدينة والإنسان.
وحين عدت، لم يكن أول ما بقي في ذهني القصور أو المتاحف أو الأماكن السياحية. بل ما استرعى انتباهي حقاً كان تفاصيل الحياة اليومية التي تبدو عادية: الأرصفة النظيفة، والمباني التاريخية المحافَظ عليها، والمساحات الخضراء الواسعة، والمرور المنظم، وجماليات الفضاء العام، وحرص الناس على حق بعضهم البعض في الحياة...
وحين تجتمع كل هذه العناصر، لا تنتج مدناً جميلة فحسب، بل مدناً صالحة للعيش أيضاً.
كثيراً ما تُقاس الحضارة بالآثار العظيمة. غير أن الحضارة الحقيقية تُستشعر في الحياة اليومية للإنسان.
في الشارع الذي يمكن للأطفال أن يمشوا فيه بأمان...
في الحديقة التي يستطيع كبار السن الجلوس فيها براحة...
في الأرصفة التي يستطيع شخص من ذوي الإعاقة استخدامها دون عناء...
في تصور للمدينة تُحفظ فيه الشجرة بدل أن تُقطع...
في ثقافة لا تُهدم فيها الأبنية التاريخية من أجل الريع...
هنا بالتحديد تُظهر الحضارة نفسها أكثر ما تُظهر.
وهذا بالضبط ما رأيته في بودابست وفيينا.
فهذه المدن ليست نتاج القوة الاقتصادية وحدها، بل نتاج ثقافة تراكمت عبر قرون، وذاكرة مؤسسية، ووعي اجتماعي مشترك. ويشعر المرء بتوازن دقيق أُقيم بين الإنسان والطبيعة والتاريخ والجمال.
ولم ينشأ هذا التوازن مصادفةً. بل هو نتيجة لنظام قانوني راسخ، ومؤسسات قوية، ونظام تعليمي، وثقافة مدينية، أنتجتها سنوات طويلة.
ولا بد من الإقرار بنقطة مهمة هنا.
فتفسير الرخاء الغربي الحالي وقوته المؤسسية بعامل الاستغلال وحده يعني تجاهل جزء مهم من الحقيقة. فعصر النهضة، والإصلاح الديني، والتنوير، والثورة العلمية، والتقدم التقني، وثقافة الإنتاج، وجهد الإنسان، كانت جميعها من العناصر الأساسية في هذا الصعود.
وبالمثل، فإن تفسير المشكلات التي يواجهها العالم الإسلامي اليوم بالتدخلات الخارجية وحدها ليس كافياً أيضاً. فديناميات داخلية مثل الجهل والتعصب والاستبداد وغياب سيادة القانون وانعدام الإنتاج والتراجع في مجال التعليم، لعبت هي الأخرى دوراً مهماً في تشكيل هذه الصورة.
فمستوى حضارة أي مجتمع لا يُقاس بارتفاع ناطحات السحاب التي يملكها، بل بعمق القيم التي يستطيع الحفاظ عليها. فبناء الأبنية الشاهقة أمر ممكن؛ أما بناء احترام الإنسان، والوعي البيئي، وجماليات المدينة، والمسؤولية العامة، فأصعب بكثير. لأن هذه الأمور لا تُبنى بالخرسانة، بل بالتعليم والثقافة. فالخرسانة ترتفع في سنوات قليلة؛ أما الثقافة فتتشكل عبر أجيال.
والنظام والجمال اللذان رأيتهما في هاتين المدينتين ليسا تجربة خاصة بأوروبا وحدها. فإذا نظرنا إلى التاريخ من منظور واسع، نجد أن تصورات مماثلة في التخطيط العمراني ظهرت في حضارات أخرى أيضاً. بل إن تصور المدينة الذي يضع الإنسان في مركزه كان في فترة من الفترات أحد أقوى ملامح الحضارة الإسلامية أيضاً.
وأمام هذه المشاهد، تذكرت بغداد وقرطبة وسمرقند وبخارى وإسطنبول. فقد كانت هذه المدن يوماً مراكز يُعجب بها العالم، ونماذج يُستشهد بها في العلم والفن والعمارة والتخطيط العمراني، وكانت، من نظافة الشوارع إلى ثقافة الأوقاف، ومن شبكات المياه إلى التخطيط المدني، متقدمة على عصرها في مجالات كثيرة.
أما اليوم، فنواجه في جزء كبير من العالم الإسلامي صورة مختلفة تماماً:
مدن تنمو دون تخطيط...
مساحات خضراء تتقلص...
إرث تاريخي متروك لمصيره...
حياة محشورة بين الازدحام والضجيج...
عمران بعيد كل البعد عن الجماليات المدينية...
وأمام هذا المشهد، لا يسع المرء إلا أن يتذكر بيتي ضياء باشا الشهيرين:
"جُلتُ ديار الكفر فرأيت مدناً وقصوراً عامرة، وطُفتُ ديار الإسلام فلم أرَ إلا خرائب."
(ترجمة تقريبية للأبيات العثمانية الأصلية للشاعر ضياء باشا، القرن التاسع عشر.)
ومما يدعو إلى التأمل أن هذه الكلمات ما زالت تتردد في الأذهان بعد نحو قرن ونصف من قولها. فضياء باشا هنا لا يُجري محاسبة إيمانية بقدر ما يُجري محاسبة حضارية؛ إذ يعبّر عن الفارق الذي رآه في نظام المدن، وسير عمل القانون، والقيمة المُعطاة لحياة الإنسان.
وأمام هذا المشهد، يجد المرء نفسه مضطراً للتساؤل:
ماذا جرى حتى فقدنا مدننا، وفقدنا معها دعوانا الحضارية؟
ولا توجد إجابة سهلة عن هذا السؤال. فالمشكلة ليست اقتصادية أو سياسية فحسب، بل مسألة عقلية أعمق تمتد من التعليم إلى الثقافة المدينية.
وهناك فرق كبير بين نظرة ترى في المدينة مجرد حقل لإنتاج الريع، ونظرة تراها بيتاً مشتركاً لحياة الإنسان. فالأولى تُنتج مبانٍ، والثانية تُنتج مدناً صالحة للعيش، بل حضارة.
غير أن المدينة ليست مجرد مجموع الطرق والمباني، بل هي أيضاً مسألة أخلاقية. فكل سلوك، من السيارة المركونة على الرصيف إلى النفايات المُلقاة في البيئة، جزء من الثقافة المدينية. ووعي الالتزام بالقواعد، واحترام حق الآخر، والمسؤولية عن حماية الفضاءات المشتركة، هي ما يشكّل أخلاق المدينة.
وغالباً ما يعكس مظهر المدن العالم الداخلي للمجتمعات. فالشوارع ليست حجارة وإسفلتاً فحسب، بل مرآة لمواقف الناس تجاه بعضهم البعض أيضاً. والمدينة ليست فقط المكان الذي يعيش فيه الإنسان، بل أيضاً البيئة التي تُشكّله. فالقبح يُتعب الإنسان، والفوضى تستنزفه، وانعدام النظام يكسر أمله؛ في حين أن الجمال والنظام والمساحات الخضراء تمنح الروح الإنسانية متنفساً.
فما نوع المدن التي نريد أن نعيش فيها؟
هذا السؤال هو في الحقيقة سؤال عن نوع المجتمع الذي نريد أن نكونه.
فالمجتمعات القادرة على بناء مدن تحترم الإنسان والطبيعة والتاريخ والثقافة، تبني مستقبلها أيضاً على أسس متينة. لأن المدن هي الأماكن التي تتجسد فيها قيم المجتمع وتصوره الحضاري.
والمسألة ليست بناء مبانٍ جديدة فقط، بل إعادة بناء العقلية التي تُشكّل مدننا.
وكان هذا هو الانطباع الأقوى الذي بقي في ذهني وأنا عائد من بودابست وفيينا:
المدن الجميلة لا تظهر بالصدفة.
بل هي أعمال حضارية بناها على مدى سنوات طويلة القانونُ والتعليمُ والثقافةُ والجمالُ والإحساسُ بالمسؤولية المشتركة.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه من جديد اليوم هو:
هل نريد أن نبني مدناً أكبر، أم مدناً أكثر قابلية للعيش وأكثر تحضراً؟